مقالات ألمانيا وقضايا الشرق الأوسط

5659ef07c461883f5b8b4574

الحسين الزاوي

يعطي الموقف الراهن لحكومة أنجيلا ميركل انطباعاً خادعاً بوجود حياد ألماني بشأن قضايا الشرق الأوسط، إذ إنه وبالرغم من تركيز برلين كل جهودها من أجل دعم نفوذها داخل الاتحاد الأوروبي، إلا أنها تعتمد على سياسة خارجية هادئة وبعيدة عن الأضواء، عندما يتعلق الأمر بقضايا دولية ذات صلة وثيقة بمراكز نفوذ حلفائها التقليديين، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وبريطانيا. ويمكننا القول إن بصمات الدبلوماسية الألمانية حاضرة بشكل لافت في القضايا الكبرى للشرق الأوسط، سواء تعلق الأمر بالقضية الفلسطينية، أو بالنسبة للأوضاع المضطربة في كل من العراق وسوريا.

بدأت السياسة الخارجية الألمانية تعرف مسارات جديدة في سياق تعاملها مع الملفات الدولية، بعد مصادقة المحكمة الدستورية الألمانية سنة 1994على مبدأ إرسال وحدات عسكرية إلى الخارج من أجل المساهمة في دعم القضايا المتصلة بمهام حفظ السلم في الكثير من مناطق النزاع، وفي مقدمتها العملية العسكرية التي أشرف عليها حلف الناتو، وكانت تهدف – بحسب الإعلان الرسمي للحلف – إلى محاربة تنظيم القاعدة وحركة طالبان في أفغانستان. وتسعى برلين في المرحلة الراهنة إلى لعب دور أكثر نشاطاً بالنسبة للمسائل المتعلقة بمكافحة الإرهاب، من خلال قيامها بتسليح وتدريب عناصر البشمركة في العراق، من أجل التصدي لممارسات تنظيم «داعش» الإرهابي، الذي يسعى إلى تحويل العراق إلى مركز انطلاق للنشاط التكفيري نحو كل دول العالم، بما فيها الدول الأوروبية التي كانت بمنأى حتى زمن قريب، عن مثل هذه النشاطات التي كانت ومازالت تمارسها التنظيمات المتطرفة في مناطق عديدة من جغرافية العالمين العربي والإسلامي.

ونستطيع أن نشير في سياق متصل إلى أن أزمة اللاجئين السوريين وضعت الحكومة الألمانية في قلب أزمات الشرق الأوسط، الذي أصبح بمثابة كابوس سياسي يزعج كل حكومات دول العالم الغربي، وتحديداً منذ إقدام الولايات المتحدة الأمريكية على غزو العراق، وما نتج عن احتلالها لهذا البلد العربي من تداعيات خطيرة، أدت إلى تحول المنطقة العربية بأكملها إلى برميل بارود شديد الانفجار. ونستطيع التأكيد في ما يتعلق بهذه المقاربة، أن الحضور الألماني في الشرق الأوسط كان يمر دوماً عبر البوابة «الإسرائيلية»، حيث إنه ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية حاولت الحكومات الألمانية المتعاقبة استرضاء اللوبي اليهودي العالمي، من أجل تجاوز الآثار المترتبة على ملف المحرقة اليهودية؛ وقد دفعت الحكومة الألمانية منذ سنة 1952 تعويضات سخية ل «إسرائيل» من أجل فتح صفحة جديدة مع «تل أبيب».

وتواصل الحكومة الألمانية دعمها اللامشروط ل «إسرائيل»، من خلال إبرام اتفاقيات استراتيجية متعددة مست كل المجالات الحيوية، كما عبرت المستشارة الألمانية في مناسبات عديدة، عن التزام حكومتها بالدفاع عن أمن «إسرائيل»، وحرصت في الآن نفسه، على تزويدها بمختلف الأسلحة المتطوِرة، التي لا تمتلكها مصانع الأسلحة في الولايات المتحدة، مثل الغواصات والبوارج الحربية والزوارق السريعة، وذلك ما جعل ألمانيا تتحول إلى الشريك العسكري الثاني ل «إسرائيل» بعد الولايات المتحدة الأمريكية. وتشير مختلف التقارير الدولية إلى أن التعاون بين «تل أبيب» وبرلين مرشح للتطور بشكل أكبر على المدى المنظور، الأمر الذي يؤكد أن ألمانيا مازالت غير مهتمة بمعاناة الشعب الفلسطيني، الذي يواجه غطرسة وبطش الاحتلال الصهيوني.

ويرى الملاحظون الدوليون أن التطور الأبرز في السياسة الألمانية بالنسبة لقضايا الشرق الأوسط، تمثل أخيراً، في استجابتها للطلب الفرنسي من أجل المساهمة في الجهود الدولية الهادفة إلى القضاء على تنظيم «داعش»، حيث إنه وإضافة إلى تدخلها في العراق من أجل دعم البشمركة والحكومة العراقية، فإن الحكومة الألمانية قررت التدخل بشكل أكبر هذه المرة في سوريا.

ويذهب الكثير من المحللين إلى ضرورة الحذر من التحليلات المتسرعة التي تقلل من شأن التأثير المحتمل لألمانيا في قضايا المنطقة العربية، فبرلين مرشحة إلى العودة بقوة إلى ملفات الشرق الأوسط، نتيجة لاعتبارات عدة في مقدمتها، التنامي المطرد وغير المسبوق للقوة الاقتصادية والعسكرية الألمانية، من جهة؛ والتراجع الكبير على المستويين السياسي والاقتصادي للقوى الاستعمارية التقليدية، وفي مقدمتها بريطانيا وفرنسا، إضافة إلى الانشغال الأمريكي بالمسائل الداخلية وبمحاولة حفظ التوازن الدولي في منطقة بحر الصين، من جهة أخرى. ويمكن لألمانيا أن تستفيد مستقبلاً من تأثيرها الثقافي والحضاري في روسيا من أجل لعب دور أكثر تأثيراً في قضايا المنطقة، من أجل سد الفراغ الناجم عن تراجع الدور الأمريكي في المنطقة، حيث تمتلك ألمانيا أوراقاً أكثر فعالية من أوراق حلفائها الأوروبيين، من أجل التعامل مع تطورات الخطط الاستراتيجية الروسية في سوريا والشرق الأوسط. – See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/2ddf72c5-dac0-4655-82d7-b29cbb6f638e#sthash.ttzL5dL3.dpuf