كيف قادت تغريدة “ضالة” مئات آلاف السوريين إلى ألمانيا؟

2.bild__0_820934_large

نتيجة لتلك التغريدة وصل أكثر من 300 ألف لاجئ إلى أوروبا على متن قوارب وهذا الرقم كان أعلى بنسبة 50٪ مما كان عليه الرقم القياسي في 2014.

شوقي عبدالعزيز – إرم نيوز

كانت “تغريدة ضالة” دونتها الوكالة الفيدرالية الألمانية للهجرة واللاجئين، قبل نحو عام، كفيلة بتحويل ألمانيا إلى الأرض الموعودة للاجئين الراغبين بدخول أوروبا، وجاء في تلك التغريدة أن “السلطات الألمانية لم تعد ملتزمة بتطبيق اتفاقية دبلن بالنسبة للاجئين السوريين في هذه المرحلة”.

-Verfahren syrischer Staatsangehöriger werden zum gegenwärtigen Zeitpunkt von uns weitestgehend faktisch nicht weiter verfolgt.

أعيد نشر التغريدة عشرات المرات فقط؛ ما جعلها لا تبدو للوهلة الأولى من النوع الذي ينتشر على نطاق واسع بمواقع التواصل الاجتماعي.

لكن الألمان يقولون اليوم إن هذه التغريدة غيّرت مسار التاريخ الأوروبي.

وتم تفسير التغريدة -التي أشارت إلى قانون الاتحاد الأوروبي الذي تقرر في اتفاقية دبلن في العام 1990 على نطاق واسع- على أنها تعليق مؤقت لهذا القانون الذي يقضي بإعادة أي لاجئ إلى أول بلد أوروبي دخله للتعامل مع طلب اللجوء الخاص به.

ونتيجة لهذه الرسالة، وصل أكثر من 300 ألف لاجئ إلى أوروبا على متن قوارب، وهذا الرقم كان بالفعل أعلى بنسبة 50٪ مما كان عليه الرقم القياسي للوافدين في 2014.

فقدان السيطرة السياسية

وعلى الرغم من أن تدخل الوكالة الألمانية لم يكن بالتأكيد سبب بدء الأزمة، إلا أنه جعل ألمانيا الوجهة الأولى بالنسبة للسوريين الذين ربما كانوا في السابق يقصدون بلدانًا أخرى في أوروبا، مثل السويد، التي عرضت في ذلك الوقت لجوءًا غير محدد المدة للسوريين.

كما خلقت الوكالة بهذا الإجراء انطباعًا بارتباك وفقدان السيطرة السياسية، والذي كافحت في بعض الأحيان حكومة أنجيلا ميركل للتعافي منه.

وبعد مرور 12 شهرًا على هذه التغريدة، يحاول السياسيون والمسؤولون في الجهاز الإداري في برلين، باستمرار، معرفة كيف صدرت هذه التغريدة.

وقبل نشر هذه التغريدة بأربعة أيام أرسلت انجليكا وينزل -وهي مسؤولة حكومية كبيرة في الوكالة- عبر البريد الإلكتروني، مذكرة داخلية بعنوان “قواعد لتعليق اتفاقية دبلن بالنسبة للمواطنين السوريين” لمكاتب الوكالة الـ 36 المنتشرة في جميع أنحاء البلاد، تفيد بعدم إعادة السوريين الذين تقدموا بطلبات للجوء في ألمانيا إلى البلاد التي دخلوها أولاً في أوروبا.

وأشار محامون يعملون عن كثب مع الوكالة الألمانية، إلى أن هذه المذكرة لم تصل -كما زعم البعض- إلى حد التعليق الكامل لاتفاقية دبلن في جميع أنحاء الاتحاد الأوروبي؛ لأن هذه الاتفاقية تعطي الدول الأعضاء الحق في تولي أمر طلبات اللجوء من الدول الأعضاء الأخرى.

تسريب المذكرة

وتم تسريب مذكرة وينزل الداخلية للصحافة من خلال قنوات فشل المسؤولون والصحفيون حتى الآن في تحديدها.

في حين أشار تحقيق صحفي أجرته مجلة “دير شبيجل” إلى منظمة ” برو أسايل ” التي تعد أكبر مجموعة في ألمانيا مدافعة عن حقوق المهاجرين، باعتبارها مصدر التسريب، لكن هذه المنظمة غير الحكومية نفت علمها بهذه المذكرة إلا من خلال الصحفيين الذين طلبوا منها فهم طبيعة الإجراء الجديد.

وقال ماكسيميليان بيكل، مستشار السياسة القانونية في المنظمة، إنه “كان واحدًا من العديد من المحامين الذين أغرقوا الوكالة الألمانية للهجرة بالمكالمات الهاتفية الحائرة؛ ما خلق ضغطًا على الوكالة لتوضيح موقفها علانية؛ ما بلغ ذروته في نهاية المطاف بأن وصفت صحيفة دي تسايت أخيرًا هذه التغريدة بـ ” التغريدة المصيرية”.

وانتشرت هذه الرسالة بين اللاجئين الذين كانوا في طريقهم إلى أوروبا أو ينتظرون بالفعل في مخيمات اللاجئين. وقال مهندس بترول سوري لصحيفة الغارديان وهو في طريقه عبر دول البلقان بعد مرور أيام قليلة من انتشار هذه التغريدة: “حتى الآن وجهتي إلى بلد واحد هو ألمانيا”، مضيفًا “بالنسبة للاجئين الآخرين قالوا إن وجهتهم إلى ألمانيا فقط، ميركل فقط”.

وتنتشر الهمسات وسط اللاجئين السوريين؛ ما يضخم من أهمية ومعنى التغريدة الحكومية، إذ قالت المواطنة السورية ماريا، في مقابلة مع إذاعة فيينا، إنها “ستحضر المراكب الكبيرة من تركيا لإنقاذ السوريين!”.

وحتى منتصف آب/ أغسطس 2015، تم تسجيل 150 ألف لاجئ في المجر. وبعد تغريدة الوكالة الألمانية رفض الكثير من اللاجئين فعل ذلك، وذكرت تقارير أنهم أطلعوا ضباط الشرطة والحدود على التغريدة الموجودة على هواتفهم الذكية.

وادعى سفير المجر لدى ألمانيا في وقت لاحق بعد يوم من نشر التغريدة أن الشرطة الصربية وجدت الآلاف من جوازات السفر المتروكة على الجانب الصربي من الحدود. وقال سفير المجر بيتر كيوكس: “ومنذ تلك اللحظة كان كل اللاجئين من السوريين”.

وعندما اتصل كيوكس بوزارة الداخلية الألمانية، قال المسؤولون إنه ليس لديهم علم بهذه التغريدة. وقال وزير الداخلية الألماني، توماس دي مايتسيره، في مؤتمر صحفي في اليوم التالي إن تعليق اتفاقية دبلن “لم يكن أمرا ملزما قانونيا على هذا النحو ولكنه كان بشكل أكبر توجيهات للممارسة الإدارية”.

وبعد مرور أسابيع قليلة استقال مانفريد شميت، رئيس الوكالة الألمانية للهجرة، “لأسباب شخصية”، ولكن يسود في كثير من الأوساط أنه أجبر على الاستقالة؛ لأن وكالته عرّضت الحكومة الألمانية لفقدان السيطرة السياسية.

ولكن بعد مرور عام بدأت تتضح تدريجيًا العواقب طويلة الأجل لهذه التغريدة، إذ كشفت المفوضية الأوروبية في نيسان/ أبريل الماضي، عن تعرض نظام دبلن لهزة واسعة النطاق، والذي تعرض كثيرا لانتقادات من قبل المدافعين عن حقوق الإنسان بسبب تحميله غير المنصف للعبء الأكبر من طلبات اللجوء على البلدان الفقيرة في الاتحاد الأوروبي مع حماية الدول الأعضاء غير الساحلية الأكثر ثراء.

وما زالت مصادر مقربة من الوكالة تصر على أن التغريدة لم يقصد بها نسف هذا القانون المكروه، ولكنها كانت “إجراءً طارئا لتيسير العمل الإداري في الوكالة”.

ووفقا لما ذكره جيرالد كناوس، المهندس الأول للاتفاق المبرم بين الاتحاد الأوروبي وتركيا ورئيس مركز أبحاث مبادرة الاستقرار الأوروبي، لم يكن المقصود من التغريدة الإشارة إلى إجراء تغيير كبير في السياسة ولم تُكتب من قبل كبار صناع السياسة.

وأضاف: “لقد أكدت أن أي شخص وصل إلى ألمانيا يمكنه البقاء بها. ولم تكن التغريدة قرارًا جديدًا، ولكنها في الوقت نفسه أرسلت إشارة”.

وقال كناوس إن “انقسامًا كان وراء الكواليس في ذلك الوقت بصفوف المسؤولين الألمان، بين الذين شعروا بضرورة إعادة هؤلاء الأشخاص إلى المجر وتطبيق إغلاق الحدود الألمانية وبين الذين شعروا أنه كان من المستحيل لوجستيًا، ومن غير المبرر أخلاقياً فعل ذلك”.

وبعد أسابيع قليلة، عندما قرر الآلاف من السوريين مغادرة المجر والتوجه نحو النمسا ثم ألمانيا، قررت ميركل تبني وجهة نظر الفريق الثاني.