كيف تغيرت أهداف الشباب العربي من الزواج والاستقرار إلى السفر ؟

تنزيل (24)

في السابق، كان شباب البلدان العربية يرغب بالسفر من أجل الدراسة أو العمل، ويبقي يحمل حلم العودة العاجلة للوطن، اليوم تغيرت الظروف وتغيرت قناعات هذا الشباب، ولم يعد هدفهم العام هو جمع المال للزواج والاستقرار وتكوين أسرة، بل السفر فقط، وبأسرع وسيلة ممكنة.

السفر المؤقت المرتبط بانتهاء ظروف بلادهم، أو السفر الدائم دون التفكير في العودة، هو أمنية الشباب العربي، تحدثنا في «ساسة بوست» إلى بعضه، لنتعرف أكثر إلى أفكارهم، وقناعاتهم التي شكلت من جديد.

الزواج أمر متروك للظروف.. وظروف سوريا لا تسمح

شادي غزالي، شاب سوري يبلغ من العمر 25 عامًا، كان يعيش في مدينة «منبج»، الواقعة في ريف حلب الشمالي الشرقي، تلك المدينة التي نزح منها شادي، في وقت كان «تنظيم الدولة» يسيطر عليها، نزح لأن: «وضع الشباب في منبج مزري للغاية، كل الشباب يريدون الهرب من داعش بسبب تصرفاتها التعسفية»، كما قال.

مشكلة شادي، المتواجد الآن في تركيا، ليست البطالة كما في بقية الدول العربية، بل مشكلته في أن يبقى حيًّا كما يقول، مضيفًا: «الزواج أمر متروك للظروف، والظروف في سوريا وللخارج منها صعبة للغاية، عندما يصل الشاب للغرب ويأمن على نفسه، يخطب إحدى قريباته ويتزوجها، أما قبل ذلك فلا يفكر في الزواج».

يرى شادي أن الشباب السوري انتهت كل أحلامه وطموحاته، بسبب الحروب والملاحقات الأمنية التي كانت مصيره، عندما طالب بحريته وحرية شعبه، متسائلًا كيف سيفكر في الاستقرار الذاتي والزواج، وهو رغم المخاطرة الكبيرة في السفر، إلا أنه يري تلك المخاطر أهون من كل ظروف البقاء في سوريا.

يأسف شادي لكون الشاب السوري انتهت طموحاته، وهو الآن كما يقول: «يبحث عن وطن، يبحث عن أرض يحاول فيها لملمة ما تبقّى من أحلامه المبعثرة، والتي ينتظر تحقيقها خارج سوريا المليئة بالموت».

رشيد التونسي: السفر أهم من الزواج

إلى تونس، وتحديدًا في العاصمة «تونس»، هناك يعيش الشاب رشيد، البالغ من العمر 28 عامًا، العامل في القطاع الخاص بعد تخرجه من الجامعة، هذا القطاع الذي يصف رشيد ظروفه بـ«الصعبة»، فهو كما يقول: «في العادة أعمل كثيرًا، والإجازة السنوية لا تتجاوز 21 يومًا، ككل من يعملون في القطاع الخاص في تونس».

«لن أدخر المال للزواج بل سأستغله للسفر»، تلك الجملة تلخص ما يفعله رشيد، فهو يحرص على السفر للسياحة بالخارج، بعد أن أصبح يعرف كلَّ شبرٍ في بلده، سافر رشيد إلى الأماكن المعروفة بسحرها الطبيعي في تونس، لكنه يقول إنها الآن غير سهلة، خاصةً الشواطئ والغابات الساحلية، أما الجبال والغابات الداخلية فأصبحت خطرة في السنوات الأخيرة، إذ سجلت فيها أنشطة «إرهابية».

يعتبر رشيد أن نظام المعيشة في تونس هو نظام فاشل، والأوضاع ليست جيدة كي يتمكن فيها الشباب، ذكورًا وإناثًا، من الحصول على التعليم، والثقافة التي تمنحهم نضجًا كافيًا ليواجهوا حياتهم، ويتابع القول لـ«ساسة بوست»: «هناك تراكمات من الفشل طوال العمر، الفشل في العمل، الفشل في الزواج، وخاصةً الفشل في التربية… في رأيي، عموم المجتمع في تونس يورث الكآبة والفشل والجهل عبر الأجيال، إلا من رحم ربي». ويشدد رشيد على رغبته «في السفر بحثًا عن كل هذه الأشياء، لأننا نفتقر إلى ثقافة الحياة والبهجة والاحتفال».

الزواج في مصر كمن «غرز رجله في واقع سيئ»

شريف مراد، شاب مصري في أواخر العشرينات، درس التاريخ، ثم بعد التخرج تنقل بين أكثر من 10 وظائف، الآن يتابع أخبار أصدقائه الذين تمكنوا من السفر، عبر حساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، بينما هو ما يزال في مصر يحلم بالالتحاق بهم.

ورغم أن أحوالهم في الغالب لا تبدو مستقرة، إلا أن شريف يصر على أن يكون خياره مثلهم، وهو السفر، سواء بشكل مؤقت أو دائم، ويعزو سبب ذلك إلى أنه لو تزوج في مصر فسيكون كمن: «غرز رجله في واقع سيئ، لا يبدو أنه سيتحسن قريبًا»، ثم يضيف: «ممكن أتزوج وأسافر على طول، لأن الوحدة مع الغربة صعبة جدًّا».

لا ينكر شريف أنه يحاول السفر بلا مجازفة، يبحث عن فرصة آمنة نفسيًّا وماديًّا له، وبجانب إصراره على عدم المجازفة، يريد شريف أن تكون فرصة السفر مريحة، ويقول: «أبحث عن عمل وأنا ما زالت في مصر، ثم سأقرر السفر بناءً على ما توفر لي من فرص، لأني أخاف من المخاطرة بعد تجاربنا في مصر».

يقر لنا شريف أنه لم يكن يخطط لحياته بهذا الشكل، ولم يكن السفر المؤقت أو الهجرة في مخططاته، لكن ما الذي دفعه لتغير تفكيره؟ يقول لـ«ساسة بوست»: «ظروف مصر لها أثر كبير»، يتمنى شريف ألا يوضع في موقف الإعجاب بفتاة، لأنه في هذا الوضع سيكون اختباره صعبًا، و«سأكون مشفقًا عليها وعلى نفسي لو هنعيش في مصر»، نترك شريف وهو يقول لنا: «أغلب أصدقائي أصبحوا أكثر ميلًا للسفر كذلك».

اليمن: لن تفلح الضغوط الاجتماعية بتعجيل الزواج

بلغ 32 عامًا من العمر، ولم يتزوج حتى الآن، ولا يبدو الزواج في مخططه القريب، حسين هذا الشاب اليمني الذي يعمل موظف قطاع خاص، سافر من اليمن بسبب قلة فرص العمل والرواتب المتدنية.

يوضح حسين لـ«ساسة بوست» أن ظروف بلاده هي صاحبة التأثير الأكبر، في قرارات الزواج أو السفر والهجرة، ويقول: «في الظروف الراهنة تحديدًا أصبحت الغربة حلم الكثير من الشباب اليمني، وحتى عند أصحاب رؤوس الأموال، ولن تفلح الضغوط الاجتماعية بتعجيل الزواج كما يحدث في السابق، لأن الأهل يعرفون تأثير الظروف المادية علينا كشباب».

يتمثل أمل حسين الأكبر في أن تتخلص بلاده من: «العصابة الحاكمة الظالمة التي نهبت خيرات البلاد، وسلمت ما تبقى لعصابة من قطاع الطرق وتجار الدم» كما يقول، ويحلم بإنشاء مشروع خاص «يجمع العقول المميزة، ويكبر هذا المشروع ليصبح مشروعًا عالميًّا يرفع اسم الوطن عاليًا».

الشباب العربي.. عجز عن تحقيق واقع مستقر

«من ناحية اجتماعية ومنطلق نفسي، يعيش شبابنا العربي بشكل عام ظروفًا قاسيةً، في ظل واقع أزمة التناقض السياسي، وما يحمله من ملوثات على فكر وثقافة المجتمع، والتي بدورها تختلف من مرحلة لأخرى»، هذا ما بدأت به المستشارة النفسية وفاء أبو موسى حديثها معنا.

توضح وفاء أبو موسى أن الواقع الآن أصبح منقسمًا على نفسه، وأصبح الشباب لا يتقبل بعضهم البعض، وربما نتج ذلك من انحدار التربية والتعليم في مدارسنا في السنوات الأخيرة، وضيق الأفق الاجتماعي للأسر العربية، وتتابع: «تبدل حلم الشباب من السفر للدراسة أو العمل، ثم العودة للزواج والاستقرار والبناء، إلى الهجرة شبه الدائمة نحو بلاد الغرب، لأنها تمتلك الحرية والإنسانية والقوانين التي تفرض الحقوق وتلزم بالواجبات، واعتقدوا أن السفر والهجرة يحققان لهم مكاسب اجتماعية وعلمية أفضل، ويتيحان لهم الزواج بإمكانيات أقل مما فرض عليهم في بيئاتهم المحلية».

وتأسف أبو موسى لأن بيئتنا العربية افتقدت العدالة، فزاد ظلم حكامها وطبق قانونها على الضعفاء فقط، وهو ما نتج عنه عزوف شبابنا عن الزواج، لعجزهم النفسي والاجتماعي عن تحقيق واقع مستقر لهم، ولزوجات المستقبل، وتشير أبو موسى إلى أن هذا الشباب العربي أصبح يرفض أن يتزوج وينجب، على هذا الواقع الهش في الوطن العربي، وتختم حديثها لـ«ساسة بوست» بالقول: «يفضلون السفر على الزواج، في بيئة لن تجعل زيجاتهم ناجحة، بل ربما تتسم بالتعاسة والكآبة، لضعف الإمكانيات، وانتشار البطالة، وندرة فرص العمل، هذا الواقع يدفع شبابنا للإقدام على درب السفر رغم خطورته الآن، هذه نتيجة نفسية اجتماعية لظروف المجتمع العربي».