قرية ألمانية نهضت بنفسها.. ينتج سكانها الكهرباء والماء والغذاء ولها عملتها الخاصة ولا تحتاج شيئاً من الدولة

تمكن سكان قرية في ألمانيا لا يتجاوز عددهم 850 شخصاً، من تحقيق ما عجز عنه السياسيون والعلماء منذ فترة طويلة؛ من خلال إرساء نظام بيئي متكامل والاستقلال اقتصادياً عن الدولة. وتُنتج هذه القرية الطاقة الكهربائية، ويشتري سكانها طعاماً من محاصيل مزارعهم، ناهيك عن أنهم يملكون عملتهم الخاصة.

صحيفة “Bild الألمانية” الألمانية قررت القيام برحلة إلى هذه القرية.

المحطة الأولى كانت مع مُزارع الألبان، هاينز شوستر، الذي كان يرتدي سروال جينز وحذاء مطاطياً. لقد حيانا هاينز شوستر بلهجة جمعت بين لهجة البايرن والشفابن، التي تعتبر لهجة أهل القرية الرسمية. يرعى شوستر في مزرعته نحو 60 بقرة، حيث تفوح من المكان رائحة روث البقر والتبن الطازج. ويوزع شوستر إنتاجه من الحليب على متاجر القرية. يقول شوستر وفق Bild إن “شركات الألبان الكبرى تشتري حليباً من إنتاج مزرعتي، على الرغم من أن مزرعتي لا تحمل ختم “الأطعمة العضوية” لأن ذلك الختم يكلف الكثير من الأموال. ويعرف زبائني أن أبقاري بحال صحية جيدة، وأنها ترعى من عشب المزرعة”.

بجانب مزرعة شوستر مباشرة، يوجد مصنع الغاز الحيوي، ولعل ذلك ما يميز مزرعة شوستر عن باقي المزارع الأخرى. فقد أكد شوستر أن “المصنع يمد مزرعته بالطاقة والحرارة اللازمة”، في المقابل يزود شوستر المصنع بروث أبقار مزرعته، ليحوله المصنع إلى طاقة. ومن خلال الطاقة المنتجة من روث الأبقار، يمد مصنع الغاز الحيوي مصنعاً آخر مجاوراً لمزرعة شوستر بالطاقة. وعلى بعد كيلومترين من المزرعة، تقع شركة جوزيف كوغلمان. وفي طريقنا إلى الشركة مررنا بهضاب منطقة آلغوي، وفي الأفق، رأينا جبال الألب. ويعتبر كوغلمان واحداً من الأشخاص المشهورين في القرية، نظراً لأن عشب ملاعب كأس العالم لسنة 2006 قد جز بواسطة ماكينات من إنتاج مصنعه.

يعمل مصنع كوغلمان بنظام إيكولوجي متطور للغاية حسب Bild ، فهو يطلي كل الماكينات التي يصنعها بألوان خالية من المواد السامة. فضلاً عن ذلك، تضاء قاعة الإنتاج بالكامل من خلال أضواء من نوع الصمام الثنائي الباعث للضوء، كما ثبت كوغلمان على سطح شركته ألواح الطاقة الكهروضوئية للاستفادة من الطاقة الشمسية. كان كوغلمان يتجول في أروقة مصنعه. وقد تحدث بحماس، مثل المزارع شوستر، عن الأهداف المستدامة والوعي البيئي، وهي أهم سمة يتميز بها أهالي القرية. وفي هذا الصدد، قال كوغلمان “إن التمتع بالطاقة الخضراء حق لكل شخص. وبهذه الطريقة، سنت الدولة العديد من القوانين، التي تهدف إلى دعم محطات الطاقة الشمسية. وعلى سبيل الذكر لا الحصر، يجب على الإنسان إبرام عقد تأمين ضد الغير، لكن هذا الأمر لا ينطبق على دعم الطاقة النووية. وهذه حقيقة لا مراء فيها!”.

غادرنا مصنع كوغلمان واتجهنا رفقة العمدة، راينر فريدل (من الاتحاد الاجتماعي المسيحي)، إلى دار بلدية بعيدة تقع على بعد 5 كيلومترات. ولعل الأمر المثير للاهتمام هو أن فريدل يزور كل ساكن في القرية في يوم عيد ميلاده ويصافح كل شخص يعترضه في الشارع، علاوة على أنه يحضر اجتماعات المجلس المحلي في المساء.

إن فريدل رجل أعمال يتميز بوعيه البيئي وكان يتحدث لفترة طويلة عن “لوبي الكهرباء”، علماً أن هذا الأمر من اختصاص حزب الخضر. ومن جهة أخرى، كان فريدل يدعو كل داعمي الطاقة الخضراء إلى اقتناء سيارته الإلكترونية. إثر ذلك، قادنا كوغلمان إلى السوبر ماركت “فايشبيرغ ماركت”، الذي يُعد المركز التجاري الوحيد في قرية فايشبيرغ. وقد بُني هذا المركز من الخشب المقطوع من الغابات المجاورة، وهو يعرض أغذية طازجة قادمة من المنطقة المجاورة، وتُنقل عبر طرق قصيرة.

اشترينا جبن “آلغوي” والعسل من الزوجين أندرياس وكارولا شنايدر، اللذين يقطنان في القرية. ودفعنا ثمن ما اشتريناه من بضائع بعملة فايشبيرغ القديمة، التي يتعامل بها أهالي ريتنباخ. وُتعتبر هذه العملة النقدية رمز استقلالية أهالي هذه القرية، ويقتصر التعامل بها على كامل المنطقة. وفي الحقيقة، تسمح ألمانيا بإصدار عملات محلية تتعامل بها 46 منطقة ممتدة من قرية شيمغاو إلى حدود قرية هولشتاين، بهدف إنعاش تجارتها المحلية. وعند المساء، يجتمع أهالي القرية على طاولة في حانة “سكي هوته” لتناول بيرة القمح والمعجنات. في الأثناء، كان فريدل ينظر إلى الجبال من النافذة وهو يقول: “أتمنى أن نكون أكثر وعياً بالطبيعة الرائعة، التي نعيش فيها. يجب علينا أن نكون سعداء بالجنة الموجودة على أبواب بيوتنا”.