image-6-474x340

عائلة ألمانية تمنح أخرى سورية مسكناً لديها في برلين

image-6-474x340

عائلتان سورية وألمانية تعيشان في منزل مشترك واحد كعائلة واحدة وتحتفلان معا بالأعياد الإسلامية والمسيحية. DW عربية زارت العائلتين في برلين واطلعت على مشاعر الترحاب والتضامن الصادرة عن عائلة ألمانية تجاه عائلة سورية لاجئة.

طوابيرُ من البشر اصطفّت أمام مكتب استقبال اللاجئين في برلين، رجالٌ ونساءٌ وأطفالٌ أتعبهم السفر. في ملامحهم كثيرٌ من المعاناة، لكنها مصحوبةٌ بفرحٍ بدا واضحاً على وجوههم؛ كيف لا وقد وصلوا برّ الأمان الذي ينشدونه، بعد أن كتب لهم الحظ فرصة النجاة من دمار الحرب في بلادهم، ومخاطر السفر في عرض البحر. هكذا عرضت شاشات الأخبار مشاهد اللاجئين القادمين إلى ألمانيا في ذلك الوقت. هذه المشاهد لم تكن فيلماً سينمائياً يداعب مشاعر الآخرين، لقد كانت جزءاً يسيراً يرسم بعضاً من معاناة اللاجئين.

مشاهد مؤثرة وقرارات حاسمة

مانويلا بويست سيدة ألمانية تعيش مع زوجها وابنتهما في بيتهم في برلين، تأثرت السيدة بويست بمشاهد الحرب في سوريا التي تنقلها وسائل الإعلام الألمانية، تقول: “في صيف عام 2015 عرضت وسائل الإعلام صوراً مروعةً عن الحرب في سوريا، ومن جملة الأمور التي عرضتها، كان ذلك العدد الهائل من اللاجئين الذين قدموا إلى ألمانيا، وبرلين تحديداً”. ووفقاً لتقرير سابق نشرته DW بحسب المكتب الاتحادي الألماني للاجئين فإنّ السوريين يشكلون النسبة الأكبر من أعداد اللاجئين الواصلين إلى ألمانيا في النصف الأول من العام 2015 بنسبة 20.3 بالمئة، بواقع حوالي 32 ألف لاجئ، ويجب على المكتب الاتحادي استيعاب هذه الأعداد الغفيرة، وتسجيل بياناتهم، وهو ما شكّل عبئاً على المكاتب الألمانية المختصة، فقرر كثيرٌ من الأهالي مساعدتهم في تحمّل المسؤولية، بحسب ما ذكرت السيدة بويست.
وتتابع بويست لتصف معاناة اللاجئين: “انتظر بعضهم أياماً وليالي كي يسجلوا أنفسهم. وفي هذه الأثناء تطوّع كثيرٌ من الأهالي لمساعدتهم من خلال تقديم الماء والطعام؛ وبعضهم قام بتوزيع ملابس وقبعات ضدّ المطر تحسباً للأمطار المفاجئة والظروف الجويّة الطارئة”.
قرّرت عائلة بويست مساعدة هؤلاء الذين لاذوا بهم هرباً من الأهوال التي شهدوها في بلدانهم. وتقول: “كنّا نرى هذه الصور يومياً في نشرات الأخبار. لذا قررنا مواجهة الصدمة التي عشناها نتيجة تلك المشاهد؛ وعزمنا على استضافة أحد اللاجئين داخل منزلنا؛ فنحن عائلة مؤلفة من ثلاثة أشخاص، ونعيش في منزلنا في برلين”.

عائلتان تحت سقف واحد

وجدت السيدة بويست عن طريق الإنترنت عنوان المكتب الخاص باستقبال اللاجئين في برلين LaGeSo، فقدّمت لهم عرضاً بتقديم ملجأ مؤقت لأحد اللاجئين في منزلها، وبعد بضعة أيام أخبروهم بالموافقة على طلبهم، وأنّ هناك عائلة سورية مؤلفة من أب وأم وطفلة صغيرة بحاجة إلى مسكن ينامون فيه، تقول السيدة بويست: ” في الحقيقة لم نكن قد خططنا لذلك، لكننا وافقنا على الفور. كان لدينا شقة في الطابق الأرضي تمّ تجديدها قبل فترة، فأحضرنا العائلة، وقدّمنا لهم الشقة كي يقيموا فيها لفترة مؤقتة، وكان هذا اتفاقنا معهم”. أمّا تلك العائلة القادمة من إحدى قرى الجنوب في سوريا، فقد غمرتهم مشاعر السعادة والفرح بمجرد سماعهم خبر تأمين مسكن لهم، بعد انتظارهم أياماً طويلة دون مأوى.
تقول نورهان وهي لاجئة سورية قدمت مع زوجها وطفلتها إلى ألمانيا بداية العام الفائت: ” كنت مضطربةً وخائفة جداً؛ وصلنا برلين، وأقمنا عند أحد المعارف من قريتنا لبضعة أيام. كان المكان ضيقاً جداً، ثمّ حصلنا على قسيمة من مكتب اللاجئين، تخولنا أن نقيم في أحد الفنادق الصغيرة في برلين، لكننا لم نجد مكاناً بسبب كثرة أعداد القادمين”. وعن طريق مكتب الهجرة المسؤول، تمّ اللقاء بين العائلتين، وذهبوا جميعاً إلى منزل عائلة السيدة بويست.
تتابع نورهان حديثها لتصف تفاصيل اللقاء الأول مع عائلتهم الجديدة: “أعطونا على الفور مفاتيح منزلهم، وأطلعونا على مكان إقامتنا، حيث ينبغي أن نسكن فيه مؤقتاً”. لم تكن نورهان وزوجها يتكلمان سوى العربية، ما جعل مشاعر الحرج تسيطر عليهم، إلا أنّ مضيفتهم مانويلا بويست كانت تتحدث بضع كلمات من العربية، سهّلت عليهم التفاهم فيما بينهم. تقول نورهان: ” كان أفراد عائلة بويست لطيفين جداً، بعد ذلك اعتدنا على بعض وعشنا سويةً”. أمّا زوجها (أحمد) فقد رأى أنهم كانوا محظوظين جداً بالتعرف على عائلة بويست، التي منحتهم فضلاً عن المسكن والمأوى، مشاعر الترحاب ومحاولة التخفيف من مأساتهم، ويقول:” وفّرت لنا عائلةبويست منزلاً خاصاً يحفظ خصوصيتنا؛ كنّا نستطيع الانعزال وحدنا داخل هذا البيت، لكننا رغبنا أن تكون أبوابنا مفتوحة على بعضها، وها نحن اليوم نعيش كعائلة كبيرة في بيت واحد، وتحت سقف واحد”.

لا ترى بويست عائقاً أمام حياتهما المشتركة، حتّى في ظل اختلاف الثقافات بينها وبين عائلتها السورية، فكل طرف يتفهم الآخر، ويحترم عاداته وتقاليده، تضيف قائلةً: “احتفلنا معنا بعيد رأس السنة الميلادية، وشاركناهم أعيادهم الإسلامية. كنّا نسعى إلى التعرف على بعضنا عن قرب أكثر”. أمّا نورهان فقد أثنت على مواقف مضيفيهم، وشرحت كيف ساعدوهم في كل المواقف، حيث قالت: “رافقتني السيدة مانويلا بويست إلى مواعيد زيارات الأطباء، وكانت بجانبي في جميع الأوقات حتى أثناء الولادة في المستشفى. وكنّا طيلة مدّة إقامتنا نتلقى التبرعات من أصدقاء وجيران عائلة السيدة بويست، ولم يتركونا بحاجة أيّ شيء”.

ويؤكد أحمد بدوره أنّ الاختلاف في العادات والتقاليد لا يمكن أن يشكّل عائقاً أمام اندماجهم مع الآخرين، مادام كل طرف يحترم عادات الآخر وتقاليده، ويقول: “نعيش حياتنا، ونمارس شعائرنا الدينية بحرية، وهم يدعموننا في ذلك. بالطبع هناك عادات في مجتمعاتنا غريبة عن المجتمع الألماني، وربّما تلاقي معارضةً منهم مثل: عادات الختان أو طرق ذبح الأضاحي وغير ذلك، ولكنّها لا تشكّل عائقاً أمام اندماجنا معهم”. لكن العائق الأكبر من وجهة نظره يتمثّل في اللغة، فمن خلالها تستطيع التواصل مع الآخرين، والاطلاع على عاداتهم وقوانين البلد، الأمر الذي يجعل الاندماج أسهل. وبالطبع فإن مضيفيهم كان لهم دور كبير في تسهيل اندماجهم مع الآخرين، حيث يقول أحمد: “كان تواصلنا مع جيراننا الألمان ضعيفاً جداً بسبب قلّة معرفتنا باللغة الألمانية. ولكن عائلة بويست ساعدونا من أجل تجاوز عقبة اللغة، ومنحونا شعوراً بالراحة”.

Share This: