صحيفة ألمانية: كيف تحول بابا نويل إلى مغسّل للجثث بسوريا؟

نشرت صحيفة “تسايت” الألمانية مقالا للكاتبة السورية، لينا عطفة، تروي فيه قصة تحول عمها الطاهر من بابا نويل إلى مغسّل للجثث في قرية السالمية.

وقالت الكاتبة، في مقالها الذي ترجمته “عربي21″، إن عمها الطاهر كان في السابق يتقمص دور بابا نويل في قرية السالمية، حيث كان يتجول في الشوارع ويوزع الهدايا على الأطفال. وبعد أن سئم عمها من ارتداء زي بابا نويل، اضطر إلى ارتداء قناع الغوريلا. ورغم مظهره المخيف، إلا أن الأطفال كانوا يشعرون بسعادة غامرة عند رؤيته، وكانوا يتبادلون معه الهدايا.

واسترجعت الكاتبة تفاصيل حياة عمها الذي اضطر إلى الانقطاع عن الدراسة في سن السادسة عشر؛ ليؤمن مصاريف أمه وإخوته المعاقين. كما سافر الطاهر بحثا عن عمل في ليبيا، حيث وجد عملا في شركة ضخ المياه. وعند عودته إلى سوريا، اشتغل الطاهر في شركة حفر الآبار العميقة بالقرب من قرية السالمية قبل أن يحول منزله إلى محل لبيع قوارير الغاز.

وذكرت الكاتبة أن عمها الطاهر يدخن ثلاث علب سجائر بشكل يومي ويشرب سبع كؤوس من الشاي. كما يكره الطاهر كل الحيوانات ويحب تناول اللحوم الحمراء، والاستماع إلى القصائد العراقية وأغاني البوب المصرية. ورغم تقدمه في السن نسبيا، إلا أن الطاهر يرفض فكرة الزواج.

وأشارت الكاتبة إلى أن عمها لا زال يحافظ على ملامحه الطفولية. وعند وفاة والدته، انفجر هذا الرجل باكيا كالرضيع نظرا لشدة تعلقه بها. ومنذ ذلك الوقت، يعتبر الطاهر نفسه “طفلا يتيما”، وفي كل ليلة ينام في فراش أمه حاملا خاتمها.

وأوضحت الكاتبة أنه بعد أن اشتغل عمها في مجال ملئ وبيع قوارير الغاز، اكتشف موهبته في صنع الزعتر النابلسي. وعلى هذا الأساس، اشترى الطاهر آلة تجفيف الزعتر ليصبح بائع زعتر نابلسي ناجحا. لقد كان الطاهر شخصا شغوفا بعمله، لدرجة أنه كان يوزع بطاقات زيارة على كل المحلات في القرية. وفي هذا الصدد، كشف الطاهر عن سر لذة الزعتر الذي يبيعه “لقد تعلمت مهارة صنع الزعتر النابلسي من والدتي. ويكمن سر لذة منتجاتي في جودة السماق الذي أستخدمه في صناعة الزعتر”.

وأوردت الكاتبة أنه على الرغم من أن عمها أصبح أشهر بائع زعتر نابلسي في قرية السالمية، إلا أنه سرعان ما شعر بالملل من مهنته وتوقف عن إنتاج الزعتر. وبعد فرارها إلى ألمانيا، انقطعت عنها أخبار عمها قبل أن يجريا اتصالا عن طريق سكايب. وخلال المحادثة، كان الطاهر أنيقا وحليق الذقن على غير عادته. وعند سؤاله عن السر الكامن وراء هذه الأناقة، أجاب الطاهر ابنة أخيه بأنه يعمل مغسّل جثث.

ونقلت الكاتبة على لسان عمها الطاهر قوله “منذ سنوات، اكتشفت أنني لا أخاف الموتى أثناء قيامي بتغسيل جثة عمي منير. وأعتقد أن الموت يمثل الاستراحة الأخيرة، فضلا عن أنه يعد فرصة مناسبة للدردشة قليلا والأكل المجاني. ويرغب الكثير من الأشخاص في أن أغسل جثث موتاهم، ناهيك عن بقية الحرفاء الموجودين على قائمة الانتظار”.

وفي سياق متصل، قال الطاهر “في الوقت الراهن، أمنح تخفيضا للعائلات التي خسرت العديد من أفرادها خلال الحرب، بينما لا أتلقى أجرا من العائلات الفقيرة. كما أعتبر كل شخص يعترض سبيلي مشروع ميت، فتراني في بعض الأحيان، أسأل أصدقائي عن موعد موتهم من باب المزاح. ولكسب الرزق أيضا أقوم ببيع الشاي خلال مجالس العزاء. لكنني أشعر بالانزعاج نظرا لأنني لا أقوم بتغسيل جثث الشهداء”.

وأفادت الكاتبة بأن عمها نصحها بتغسيل الموتى عوض الانشغال بنظم قصائد الشعر التي لا تدر الكثير من المال حسب رأيه، علما وأن الشعب الألماني في غالب الأحيان يحرق جثث الموتى. وفي ختام المحادثة، طلب الطاهر من ابنة أخيه أن تقوم بالترويج لمؤسسته المختصة في خدمات الدفن على حسابها على موقع فيسبوك وفي ألمانيا.

وفي الختام، قالت الكاتبة إنها وعدت عمها الطاهر بأن تؤلف كتابا يروي قصته بهدف الترويج لمؤسسته في ألمانيا. وحيال هذا الشأن، قال الطاهر مخاطبا ابنة أخيه “أجهل القراءة والكتابة، لكن أرسلي لي بعض النسخ من ديوانك الشعري بهدف الترويج له داخل المنازل التي أقصدها”.