ثكنات” لاحتجاز اللاجئين في ألمانيا.. نهاية سياسة الباب المفتوح واستبدالها بشعار “الوصول، البت في الطلب، والإعادة”

خرجت مجموعة من المهاجرين النيجيريين هذا الأسبوع في مظاهرات غضب، احتجاجاً على ظروف المعيشة في أحد مراكز احتجاز المهاجرين في مدينة مانشينغ التابعة لولاية بافاريا جنوبي ألمانيا، وتشهد المدينة جدالاً محتدماً حول السياسة التي تتبنَّاها تجاه اللاجئين، خاصة أن هناك مشروعاً لبناء 40 مركزاً “لاحتجاز اللاجئين”. وحسب صحيفة Financial Times البريطانية، فإنه على عكس السياسة العامة التي انتهجتها ألمانيا في تعاملها مع اللاجئين، إذ أسكنتهم في المجتمعات الحضرية، حيثُ يلتقون يومياً مع جيرانهم الألمان ويمكنهم الاندماج بسهولة. إلا أن ولاية بافاريا اتبعت طريقةً مختلفةً. فمنذ بداية أزمة اللاجئين، أسكنت الولاية المهاجرين الذين كانت لديهم فرصة ضئيلة للبقاء في ألمانيا -أناسٌ مثلاً من نيجيريا أو دول البلقان أو أوكرانيا- في مراكز احتجاز كبيرة معزولة عن السكان المحليين، وهو الوضع الذي جعل مجموعة من اللاجئين النيجيريين، يرفعون شعارات غاضبة مثل “سئمنا العيش في مخيمات. انقلونا من هنا رجاءً”.

نهاية سياسة الباب المفتوح
وتقول الصحيفة البريطانية إن ألمانيا ستتبع هذا المنهج المتشدد الجديد في التعامل مع قضية الهجرة، إذ يُحبَس المقيمون هنا لأشهر، مع القليل ليفعلوه واتصالٍ محدود بالعالم الخارجي، ويصبحون غير قادرين على العمل أو تعلم اللغة الألمانية. وإذا رُفِضَت طلبات لجوئهم، يُرحَّلون مباشرةً من مركز مانشينغ إلى بلادهم. وأُعيد نحو 3500 مهاجر إلى بلادهم، منذ افتتاح المركز عام 2015، وأُجبر ألفٌ منهم على العودة إلى بلادهم. ويمثل هذا تحولاً كبيراً عن سياسة الباب المفتوح للاجئين التي اتبعتها المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل عامي 2015 و2016، حين فتحت ألمانيا حدودها على مصراعيها لأكثر من مليون لاجئ، لكنَّه يعكس حقيقةً سياسيةً جديدة وهي صعود حزب البديل من أجل ألمانيا اليميني المتطرف، وردة الفعل الشعبية المتزايدة ضد الهجرة واسعة النطاق بشكلٍ عام.

قرار صادم من وزير الداخلية الألماني يخص اللاجئين.. الرجل المعادي للمهاجرين ينفذ أول وعوده والآن تجري الخطط على قدمٍ وساق لتكرار نموذج مركز مانشينغ في جميع أنحاء ألمانيا. وأشرف هورست زيهوفر وزير الداخلية الألماني على إنشاء منشآتٍ مثل هذه بصفته رئيس وزراء ولاية بافاريا. وسيكشف زيهوفر قريباً عن خططٍ لإنشاء ما لا يقل عن 40 مركزاً من المراكز المعروفة باسم “أنكر” أو “Anker”، وهي اختصار لثلاث كلمات ألمانية تعني “الوصول، البت في الطلب، والإعادة” (إلى البلد الأصلي). وقال كلفي باتن، وهو أحد المتظاهرين: “يُصاب الكثير من الأشخاص بالجنون في هذا المجمع السكني. نحن عالقون هنا منذ 8 أشهر أو سنة، ثم يخبرونك أنَّك عليك العودة إلى بلدك”. وراقب دانييل فايديليش، وهو أحد مسؤولي الحكومة البافارية، الوقفة الاحتجاجية من خلف طوقٍ أمني. وقال: “هؤلاء الأشخاص يريدون الخروج. إنَّهم يريدون شققاً سكنية في المدن، حتى عندما تُرفض طلبات لجوئهم. هذا الأمر لن ينجح”.
خلاف داخل تحالف ميركل
ورغم ذلك، أثارت هذه القضية خلافاً حاداً بين كتلة ميركل المحافظة المكونة من الحزب المسيحي الديمقراطي والاتحاد الاجتماعي المسيحي بولاية بافاريا، وشركائهم في التحالف الاجتماعي الديمقراطي. تُعد المناطق التي يحكمها الحزب الاشتراكي الاجتماعي معارضةً بشدة لاستضافة هذه المراكز الجديدة. وقال بوريس بيستوريوس، وزير داخلية ولاية ساكسونيا السفلى الألمانية، في حديثه لزيهوفر ساخراً: “حاولوا إيجاد أماكن أخرى مناسبة”. وبالنسبة لصحيفة Financial Times البريطانية، فإنه حتى المحافظون متشككون، إذ أعرب لورنس كافيير، وزير داخلية ولاية مكلنبورغ فوربومرن المنتمي للحزب الديمقراطي المسيحي، عن قلقه البالغ إزاء احتمال نشوب صراع في مراكز نقل بهذا الحجم الهائل. وحتى اتحاد الشرطة الألماني كان حاسماً: فقد انتقد فكرة “عزل طالبي اللجوء لسنواتٍ متواصلة في ظروف تشبه الثكنات”، حيث قد تزداد احتمالات حدوث أعمال عنف. وتقول الجمعيات الخيرية، إنَّ ما حدث في مركز مانشينغ هو منهج خاطئ للتعامل مع المهاجرين. وقال فيلهلم دراكسلر، وهو أحد العاملين بجمعية كاريتاس الخيرية: “إنَّه مكان سلبي، حيثُ لا تُكشَف هويات الناس وينتشر الشعور باليأس. ليس لدى الناس هناك مستقبل، ولا يملكون المال لأنَّهم لا يعملون”. ويؤيد الأمر السكان المحليون في مدينة إنغولشتات بولاية بافاريا، التي تبعد 13 كيلومتراً عن مانشينغ. وقال مواطن ذكر أنَّ اسمه فولفغانغ: “إذا استقرَّ اللاجئون في المدن، حيث يكون خمسةٌ منهم هنا وخمسةٌ منهم هناك، فتلك مشكلة؛ لأنَّهم يختفون فحسب”.

رغم حاجتهم لتعلم اللغة للم الشمل .. لماذا يرسب سوريون في اختبارات الاندماج بألمانيا؟ ويزعم المسؤولون أنَّه يمكن التعامل مع اللاجئين بفعاليةٍ أكبر في مثل هذه المراكز الكبيرة، حيثُ يتواجد مسؤولو الهجرة للتعامل مع طلبات اللجوء ومسؤولون قانونيون للنظر في الطعون. وقال فايديليش إنَّ المقيمين يبقون لأربعة أشهر ونصف الشهر فقط في المتوسط بمركز مانشينغ. وفي السابق كان يمكن أن تستغرق العملية بأكملها سنوات. لكن بالنسبة لبعض منتقدي هذا النظام، فإنَّ كل شيء الآن يحدث بسرعةٍ كبيرة. وقال غابرييل شتوركل، أحد مسؤولي جمعية كاريتاس: “أكثر ما يقلقني هو أنَّ الناس لا يمكنهم ممارسة حقوقهم الكاملة في اللجوء. عُجِّلَت الإجراءات للغاية، لدرجة أنَّهم ليست لديهم فرصة للحصول على مشورةٍ قانونية مناسبة”.
اختفاء مئات اللاجئين
وفي الشهور الأخيرة، أصبح مركز مانشينغ أقل كفاءةً بكثير، إذ ما زال العديد من المهاجرين النيجيريين عالقين هناك منذ أشهر، بعد رفض طلبات لجوئهم. وقالت مونيكا غوريس، المسؤولة بمصلحة الأجانب في ولاية بافاريا: “يمكن ترحيلهم فقط إذا كان لديهم جواز سفر صالح أو بديل جواز سفر، والكثير منهم ليس لديه أيٌّ منهما”. ولا يمكن إعادة اللاجئين إلى بلادهم أيضاً إذا كانوا يتلقون علاجاً طبياً أو يطعنون على قرار رفض لجوئهم. وأضافت مونيكا قائلةً: “والكثير منهم يختفي فحسب”. وتشير السلطات إلى أنَّه منذ عام 2015 اختفى 800 مقيمٍ بمركز مانشينغ قبل ترحيلهم. وتعني الطبيعة المنفتحة للمركز -إذ يمكن للمقيمين الدخول والخروج حسبما يريدون- أنَّه من السهل الفرار. وبالنسبة لهؤلاء الذين يظلون في المركز، تكون الظروف بعيدة كل البعد عن المثالية. وقال مسؤولون إنَّ الشرطة استُدعِيَت إلى المنشأة 355 مرة في العام الماضي، بسبب اندلاع أعمال عنف بين المقيمين. وقال دراكسلر: “عندما يكون لديك من ستة إلى ثمانية أشخاص في غرفة واحدة، يصبح النزاع أمراً أكيداً”. وعلى هامش الوقفات الاحتجاجية التي جرت هذا الأسبوع، وقف جوزيف إكيشوكو، وهو عامل أسقف يبلغ من العمر 27 عاماً من ولاية دلتا النيجيرية، ليعرب عن خيبة أمله مع الكثيرين من الحياة في مركز مانشينغ. وقال جوزيف: “عندما دخلنا هذا المعسكر أخبرونا أنَّنا قد نمكث هنا لستة أشهر. والآن يقولون لنا إنَّنا سنظل عالقين هنا لسنتين، في هذا السجن”.

arabicpost