الحملة السورية على “شباب توك”: مَن هو المتخلف؟

تخلو الحملة التي أطلقها ناشطون سوريون، ضد قناة “دويتشه فيلله” الألمانية، من المنطق، مع اتهام معلقين عبر مواقع التواصل الاجتماعي، القناة الممولة من الحكومة الألمانية بمعاداة العرب واللاجئين وكراهية الإسلام.

وحددت الحملة التي انتشرت عبر مجموعات مغلقة في “فايسبوك” وعبر نقاشات السوريين في ألمانيا، برنامج “شباب توك” ومقدمه اللبناني جعفر عبد الكريم، كنموذج للكراهية المزعومة. من دون تقديم دليل ملموس يثبت الاتهامات. علماً أن البرنامج المذكور اشتهر على نطاق واسع بسبب إثارته للجدل وطرحه الكثير من القضايا التي تلامس “الخطوط الحمراء” وبالتحديد ما يخص الحريات الفردية. كما تتهمه جماعات يمينية متطرفة بمحاباة اللاجئين، بعكس الادعاءات الحالية.

وقال بيان الحملة: “وجب التحذير من هذه القناة التي تستهزئ بالدين وبالجالية العربية عامة وبالخصوص السورية على اظهارنا بأنا عبارة عن جالية متخلفة وكل سوري لا يرضى بما تنشره هذه القناة لذلك نطلق حملة مقاطعة اتمنى مشاركة هذه الحملة”. وأتبع أنه منذ سنتين وحتى الآن كانت منشورات البرنامج “تهاجم ديناً واحداً فقط هو الإسلام وتعاليمه وتشوه سمعة اللاجئين القادمين الجدد إلى ألمانيا”.

هذه العينة من المعلقين تعبر عن عقلية محافظة وقديمة، ترفض مثلاً طرح البرنامج لمواضيع مثل مسجد يرحب بالمثليين أو إمامة امرأة للرجال في الصلاة ومواضيع حقوق المثليين وحرية المعتقد والإلحاد والحجاب والطلاق وحق الإفطار في رمضان وحتى المساواة في الأجور والميراث وحتى حق قيادة المرأة للسيارة في السعودية. وعددت الحملة كل النقاط السابقة وغيرها، في إطار تبريرها للموقف الموتور من القناة. مطالبة القناة بتقديم محتوى مختلف مثل “إيجابيات المجتمع الشرقي وعاداته كالترابط الاسري والنخوة وبر الوالدين وتضحيات الشعوب من أجل الحرية وغيرها”!

كمية العقد الاجتماعية التي تطرحها الحملة مخيفة على مستويات متعددة، وبالتحديد مستقبل مجتمعات اللاجئين في الدول الأوروبية التي تكررت فيها حالات العنف الدينية، كقتل مفطرين في رمضان أو الاعتداء على مثليين ويهود، وهي حالات تكررت في عدة دول الأسبوع الماضي منها ألمانيا واليونان التي شهدت جدالاً واسعاً بعد اعتداء لاجئين سوريين وعراقيين على مجموعة من اللاجئين الأكراد المفطرين.

ومن اللافت في التعليقات أن بعض المؤيدين للحملة يقولون أن القناة تتناسى نجاحات اللاجئين السوريين وتركز على “الأخبار التي تسيء لنا كلاجئين وتستفزني وأشعر منها بالعار والخزي”، ولا يعني ذلك وجود لاجئين مجرمين وقتلة أو منحرفين ومتحرشين، بل أشخاصاً يمارسون حريتهم الطبيعية التي تحرمهم منها الدول العربية بما في النظام السوري، كالمجاهرة بمثليتهم أو إلحادهم. وهي أفكار عنصرية كرستها عقود الدكتاتورية وتكريس الفكر الديني المتطرف والمحافظ لقرون في المنطقة العربية.

ويجب القول أن الحملة تظهر من هو المتطرف الحقيقي، هنا، حيث يمارس أصحاب الحملة ترهيباً فكرياً ضد أشخاص آخرين لمجرد أنهم يحملون فكراً معاكساً، أو يناقشون أفكاراً مختلفة عما يؤمنون به علانية، وهي ترسبات دينية – مجتمعية يمكن إعادتها لهيكلية الديانات الابراهيمية نفسها، التي بنيت كل منها على سابقتها واحتكرت لنفسها الحق في الإيمان الصحيح بتكفير ما سواها، وهي جدلية تبرز في الإسلام بوضوح لعدم وجود حركات إصلاحية فيه على غرار الإصلاح في الكنيسة الكاثوليكية على سبيل المثال.

والحال أن الحملة لا تحظى بشعبية جارفة، بل أطلقها “أدمن” أحد المجموعات المغلقة المخصصة لتقديم المعلومات للاجئين السوريين في ألمانيا، وعارضها العديد من السوريين أنفسهم، باعتبارها حملة إقصائية ولا تمثل إلا آراء أصحابها “المتدينين”، فيما أشار بعضهم إلى موافقتهم على أفكار الحملة ومعارضتهم لأسلوبها، مع دعوة آخرين لاحترام قيم الديموقراطية الغربية التي باتوا يتمتعون بها والتي يفترض أنهم قاموا بثورة من أجلها في بلادهم أصلاً.

وبكل بساطة، من كان ضد أفكار الحرية والتعددية فليكتف مثلاً بإعلام النظام السوري الذي ينادي بنفس القيم الظلامية التي تطرحها الحملة في برامجه ومسلسلاته الدرامية، أو حتى بعض وسائل إعلام المعارضة مثل شبكة “أورينت”، أو المنتديات الإسلامية المغلقة عبر الإنترنت.

تجدر الإشارة إلى أن عبد الكريم في برنامجه يطرح أفكاراً جدلياً منادياً بالحرية الفردية واحترام حقوق الإنسان في العالم العربي، بجرأة أوصلته لنيل جوائز عالمية وعربية مرموقة، منها جائزة “أفضل صحافي في ألمانيا” عن فئة “المراسلون” لعام 2016، وهي جائزة سنوية تمنحها مجلة “ميديوم ماغازين” الألمانية، اعتبرت مؤسسة “دويتشه فيليه” بأنها تمثّل رسالة اعتراف بمساهمتها الصحافية في الحوار حول قضايا الهجرة.

وليد بركسية

كاتب سوري