أن تكون عربياً في ألمانيا.. عام 1889!

كثيرا ما سمعنا عن رحلات ابن بطوطة إلى الهند والصين أو حتى رحلة ابن فضلان إلى بلاد الروس.. كما أن رحلة رفاعة الطهطاوي إلى باريس والتي لخصها في كتابه “تخليص الإبريز في تلخيص باريز” بعد عودته عام 1831 تعتبر من أبرز الكتب التي تحظى باهتمام القراء حتى اليوم.. تماما بعكس كتاب “رسائل البشرى في السياحة بألمانيا وسويسرا” للرحالة “حسن العدل” والذي يدوّن فيه شيئا من مُشاهداته وتأملاته في بلاد ابتعث إليها ليدرس اللغة العربية فيها وهو في غاية الحماسة لظنّه أنه أول مشرقي يدخل ألمانيا!

في أولى صفحات الكتاب، يعترف “العدل” قائلًا: “.. كان يحوم بفكري القاصر أني أول مشرقي مسلم طرق تلك البلاد -ألمانيا- ووصفها ماديا وأدبيا، وكان ذلك سببا يبعث من همتي إلى دقة البحث عن أحوال تلك البلدان، ولم يزل ذلك مختلجا في صدري حتى إذا عدت إلى برلين أردت أن أتحقق جلية الأمر، فما زلت أتصفح في كتاب يسمى آثار البلاد ما يستدل منه أن أبا بكر محمد الأندلسي الطرطوشي المعروف بابن أبي رندقة قد ساح في بلاد ألمانيا ووصف بعضا منها..”.

ولا يُخفي كاتبنا فرحته بهذا الاكتشاف، بل يتوقف قليلا عن سرد تفاصيل رحلته التي استمرت شهرا بين المدن الألمانية والسويسرية، فيُحدثنا عن أبي بكر الطرطوشي الذي سبقه إلى ألمانيا بحوالي 800 عام وتجول في كثير من مدنها، وبالأخص إلى مدينة “ماينز” والتي كانت تسمى “مغانجة”، ووصفها عنه القزويني في كتاب “آثار البلاد وأخبار العباد”، و”العدل” ينقل لنا حكايات الطرطوشي بكل فخر قائلا: “وصار لي حجة على أهل أوروبا الذي طالما شافهني كثير منهم مفتخرا بكثرة سياحاتهم، مدعيا أن المشرقيين لا عزم ولا جأش لهم، فقلما من تجول منهم وساح في البلاد طلبا لوصفها، اللهم إلا ابن بطوطة المشهور بسياحته قديما”.

وعلى سيرة “ماينز” و”مغانجة” وغيرها من أسماء المدن الألمانية، فإن الكاتب يُبدع في الكتابة عنها وعن معانيها، فعند وصوله إلى مدينة فرانكفورت يغتنم الفرصة ليُحدثنا عن معناها فهي “مركبة من كلمتين إحداهما فرنك يعنون بها فرنج، والأخرى فورت ومعناها باللغة الألمانية مَعْبَر، فيكون المعنى “معبر الفرنج”، ثم يحدثنا عن حكاية عبور شارلمان -ملك الفرنج- لنهر الماين أيام حربه ضد مملكة “صكصونيا”. وعن مدينة ميونخ يقول: “وتسمى هذه المدينة باللغة الألمانية منخن، السبب في ذلك أنها كانت قديما ديرا للرهبان واسم الراهب بلغتهم منخ، ولذلك قد جعلوا صورته علامة على هذه المدينة، فتراها مصورة على كثير من المباني والمحلات العمومية”، ولأن ميونخ من أغنى المدن الألمانية وليست مدينة “رهبان”، فإنه يكمل شرحه عنها قائلا: “والحالة المدنية بها حسنة جدا، ففيها كثير من الصنائع المختلفة الشهيرة لا سيما صناعة التصوير، ويقال إن مدرسته بها من أحسن المدارس”.

من يقرأ “رسائل البشرى” سيلاحظ مدى اهتمام “العدل” بالمدارس والثقافة الألمانية والسويسرية، فهو يتحدث عن أحوال المدارس والجامعات في كل مدينة يزورها، كعدد طلابها وكوضعها بين الجامعات وشهرتها، فيقول عن جامعة هايدلبرغ بأنها “من أعظم المدارس بألمانيا”، وعن جامعة لايبتزغ يقول: “تعد في الدرجة الثانية بعد مدرسة برلين” أما جامعة ستراسبورغ فقد أعجبه بناؤها حتى اعتبره بأنه: “أحسن مباني المدارس التي شاهدتها”.

أما أجمل ما في هذه “الرسائل” فهو أنها مليئة بالفوائد والطرائف، مع العلم أنها لا تتجاوز 60 صفحة، وهي قريبة من الأفهام، فالكاتب يُبدع في الشرح من خلال المقارنات الواضحة، في مدينة نورنبرغ يُشبه أبواب المدينة القديمة بباب النصر وباب المتولي بمصر، وعندما يتحدث عن شخصية تاريخية مجهولة بالنسبة للقارئ العربي مثل “فيلهلم تل” فإنه يشببه لنا بعنترة بن شداد وأبي زيد الهلالي.

وحتى عند حديثه عن إحدى الساعات المُبهرة التي شاهدها فإنه يتوقف قليلا ليُحدثنا عن “أول ساعة طرقت بلاد أوروبا”، وهي التي أهداها صلاح الدين إلى فريدريك الثاني، وعندما لا يجد ما يقارنه ببلادنا، يُقارن الألمان ببعض كما فعل عند حديثه عن سكان مملكة “بافاريا”: “أغلبهم غلاظ البدن لكثرة شربهم البيرة، بيض الألوان، زرق العيون تغلب عليهم الخشونة في الألفاظ والأخلاق، ولهجتهم باللغة الألمانية صعبة الفهم على غيرهم من باقي الألمانيين”.

كل هذه المحاولات لمشاركة القارئ بتفاصيل هذه الرحلة في تلك البلاد قبل حوالي 130 عاما تعكس مدى الشعور الذي لازم الكاتب والذي عبّر عنه هو بنفسه بأنه “أول مشرقي يزور هذه البلاد”، وهذا الشعور لم يأته من فراغ، فبينما أعداد العرب اليوم في ألمانيا في تصاعد مُستمر، حتى أنه يكاد يستحيل أن تدخل مدينة ألمانية دون أن ترى فيها وجها عربي، إلا أن الواقع عندما زارها “العدل” كان مختلفا تماما، والموقف التالي يشرح ذلك بوضوح!

عند وصوله إلى مدينة “رودسهايم” راح يسأل عن حلاق، فقيل له عن حلاق “نظيف مشهور”، وكانت المفاجأة حين دخل بيت الحلاق فيقول: “قابلتني زوجته، وأولاده يرحبون بي، وقد فرحوا فرحا شديدا” ثم التفوا حوله وراحوا يتأملونه كما لو كان من عجائب الدنيا السبع، لدرجة أن “العدل” يتمنى لو خلدها أحد المصورين:” وبينما نحن بهذه الهيئة العجيبة التي تمنيت أن يراها أحد المصورين”، بينما يدور الحوار التالي حوله:

“قالت الزوجة لزوجها:
– أما تنظر سواد شعر هذا السيد؟
فقال:
– نعم، وأنا منه أعجب.
ثم دنا أحد أولادهما وأشار بإصبعه، قائلا:
– انظروا، انظروا وعيناه سوداوان”.

وبينما هم يتأملون ملامحه العربية، وهو يضحك من تعجبهم، بل ويعجب من أنه حتى حين أخبرهم أنه من مصر، لم يعرفوا أين هي، وحين شرح للحلاق أكثر قال له: “أعلم أن علامة دولتكم هي الهلال، وقد سمعت أن السبب في ذلك أن القمر في بلادكم لا يكون إلا هلالاً”.

هذه التجارب وغيرها، كانت كافية لأن يختم العدل حكايات رحلته بالحديث عن أهمية السفر والترحال وعن الرحالة العرب والمسلمين والتراث العظيم الذي تركوه لنا، بينما نحن تركنا هذه الكتب “ميتة في جلودها لا تجد لها باعثاً لروحها أو مطالعا لأسطرها أو طابعا لها” كما يقول، وهو ما ينطبق على الكثير من كتب أدب الرحلات، بما فيها كتاب “رسائل البشرى” ايضا، وهو كتاب مجهول تقريبا.. حتى بالنسبة للعرب والمسلمين في ألمانيا، علما بأنه ” أقدم كتاب دونه عربي عن سياحته في ألمانيا”!

هذه التدوينة منشورة على موقع مدونات الجزيرة