ألمانيا.. تناقضات الديمقراطية الاشتراكية

وكن بيتنر*
يمكننا فهم سبب خوف الحزب «الديمقراطي الاشتراكي» من الدخول في ائتلاف مع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل. فقد استخدمت ميركل الائتلاف مع الحزب في المرة السابقة لتبني كثير من أفكاره وعاقبه الناخبون على هذا. ويعتقد كثيرون من المحللين أن الحزب بحاجة لوقت للعلاج وليس لفرصة ثانية لتدمير نفسه في السلطة. لكن مشكلة الحزب أبعد وأعمق من السنوات الأربع الماضية. فالحزب في تراجع مستمر منذ عقدين ولم يحصل إلا على 20 في المئة من الأصوات في الانتخابات السابقة مقارنةً بحصوله على 40 في المئة من الأصوات عام 1998. وهذا التوجه ليس مقتصراً على ألمانيا، ففي معظم دول أوروبا الغربية الرئيسية تتراجع أحزاب يسار الوسط، وفي بعض الحالات لم تعد قائمة فعلياً. فما الذي حدث للديمقراطية الاشتراكية؟
من السهل التعرف على أسباب تراجع الحزب «الديمقراطي الاشتراكي» في ألمانيا لكن الحزب يجد صعوبة في تقبلها.

وتبدأ مشكلة الحزب بالانقسام بين الوعي السياسي والممارسة. فرغم الرؤية ذات التوجه الدولي، دأبت الديمقراطية الاشتراكية على الاعتماد على فكرة (الدولة الأمة) باعتبارها إطار عمل للمبادئ المرشدة لحقوق العمال وتوزيع الثروة. وخلال نهايات القرن التاسع عشر وشطر كبير من القرن العشرين كان لهذه الرؤية وجاهة. لكن الآن، اهتز إطار العمل هذا. ومن المثير للسخرية أن الديمقراطيين الاشتراكيين أنفسهم هم من تبنوا بعد عام 1989 فكرة حقبة عولمية تتجاوز القومية لفترة ما بعد سقوط جدار برلين. وفي هذا العالم الجديد الشجاع، أيدت الدول المتشابهة في العقلية تجاوز إطار القومية استعداداً للمنافسة المتزايدة في اقتصاد العولمة. لكن هذا المنظور جاء مصحوباً بتناقضين كامنين فيه وهما الديمقراطي والاشتراكي. واحتاج كلاهما لبعض الوقت، كي تتضح معالمه لكنهما أصبحا واضحين بشدة حالياً.
والتناقض الأول هو أن انتصار الديمقراطية الواضح في عام 1989 كان يؤذن ببداية تدهور الديمقراطية. وتمثل الخداع الذاتي المريح لعقود «الليبرالية الجديدة» في الاعتقاد بأنه من الممكن تعزيز الديمقراطية القومية بما تنطوي عليه من دولة الرفاهية الرأسمالية مع تعزيز صناعة القرار السياسي الذي يتجاوز القومية. ورأس المال يمكن تقييده بالدولة الأمة وتحريره في الوقت نفسه ليتجاوز هذه الدولة الأمة. وكانت دافوس وبروكسل هما عواصم رضا الصفوة عن نفسها. وفي دافوس مقر تحرير الاقتصاد على مستوى العالم وفي بروكسل مقر التكامل الأوروبي، وُصف المعارضون لاتفاق الآراء على الكوزموبوليتانية بأنهم ضيقو الأفق أو من «الخائفين من أوروبا». لكن الحقيقة هي أنه لا يمكن أن يكون لدينا حوكمة تتجاوز القومية دون تقييد سلطات البرلمانات الوطنية، وبالتالي تقييد سلطة الشعب. فلا يمكن محاولة السيطرة على رأس المال في الداخل مع إطلاق العنان له لينتقل إلى الخارج.
وجاءت النتيجة متأخرة لكن كان يمكن التنبؤ بها. لقد تراجعت الديمقراطية بسبب استياء قاعدة من الناس العاديين الذين نزلوا إلى الشوارع من «ليبتسيج» إلى «بوخارست». وتقاعست الصفوة عن الوقوف بجانب سواد الشعب سواء في أزمة ديون اليونان أم تدفق اللاجئين.


ولم تجد الجماهير من يقف بجانبهم إلا الصوت السابق للشعب أي الديمقراطيون الاشتراكيون. صحيح أن لا أحد يستطيع أن ينسى تفاؤل ما بعد الشيوعية، بعد أن أثبت انتصار الديمقراطية التام في الحرب الباردة أنها قادرة فيما يبدو على الصمود بذاتها. لكن التفاؤل أدى إلى عدم المبالاة والاعتقاد الساذج بأن العمال ورأس المال قد ينتهي بهما الحال في نهاية المطاف بالاتحاد تحت راية دافوس.ولم يكن هذا خطأ تماماً، فالعالم مكان أفضل بكثير بفضل أسواق أكثر حرية والتكامل الاقتصادي. لكن المشكلة هي أن هذه المكاسب تقزمت أمام وصول الثروة إلى قلة سعيدة الحظ في القمة. وغياب العدالة تفشّى أثناء انتشار الثروة، ما أدى إلى الفشل.

وتجلى هذا في نهاية المطاف عشية الأزمة المالية وأزمة اليورو. لقد كان الأوروبيون العاديون هم من اضطروا في نهاية المطاف إلى دفع كلفة الأحلام المسرفة في الخيال لصفوة دافوس.
والتناقض الثاني في الديمقراطية الاشتراكية هو أن المرء لا يستطيع أن يروج لعالم بلا حدود ودولة الرفاهية الاجتماعية في الوقت ذاته. وأدرك جيرهارد شرويدر المستشار الألماني السابق لميركل وهو من الحزب الديمقراطي الاشتراكي هذا وقلص إنفاق ألمانيا السخي في برامج الرفاهية الاجتماعية ليجعل الاقتصاد أكثر تنافسية. وكان إجراء صائباً وإن لم يحظ بشعبية. لكن بعد هذا التقليص، كيف يستطيع الحزب أن يقنع جمهور ناخبيه بفتح أبواب البلاد أمام مليون لاجئ ومهاجر من حقهم الحصول على إعانات اجتماعية؟وفي الانتخابات السابقة رأى ملايين من الناخبين من الجناح اليساري في بعض المناطق المهمشة في ألمانيا دولة لديها الكثير من الأموال لتعطيها للآخرين لكن ليس لهم. وهذا دفع إلى انفصال مئات الآلاف من أنصار الحزب الديمقراطي الاشتراكي وانضمامهم إلى حزب البديل من أجل ألمانيا اليميني المتطرف الذي حصد 13% من الأصوات في الانتخابات. ودون فكرة واضحة عن كيفية اجتذاب المثقفين في برلين والعمال في المناطق الصناعية، لا غرابة في أن يفتقر الحزب الديمقراطي الاشتراكي إلى الشجاعة كي يصل إلى جذور مأساته. وما دام الحزب يتجنب التناقضات الأساسية للديمقراطية الاشتراكية الحديثة سيواصل التراجع.
*محرر سياسي في صحيفة دي تسايت الألمانية.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»