ألمانيا: التناقضات وحلم زعامة أوروبا

تعد ألمانيا اليوم واحدة من أبرز دول العالم ذات التأثير السياسي تبعاً للقوة الاقتصادية ويكفي أن نعلم أن ناتج الاقتصاد الألماني بلغ العام 2017 ما يزيد على 4.1 تريليونات دولار، وهذا الحجم الهائل للاقتصاد ربما كان أحد أسباب أن تكون لجنة الاقتصاد والطاقة في البرلمان الألماني أكبر اللجان إذ وصل أعضاؤها في إحدى الدورات 42 عضواً. والاقتصاد أيضاً هو الذي جعل من ألمانيا المؤثر الأكبر في القرار الأوروبي ووسع حجم الحلم الألماني للتأثير في المجال الدولي، وقد عرف الألمان بالمهارة في الأعمال والصرامة في التعامل ويتندر عليهم الأوروبيون بوصفهم أقل الشعوب الأوروبية تداولاً للنكت والطرائف، ولكن الألمان الناجحين في الأعمال لديهم الكثير من الأشياء التي تستحق التأمل بعضهم يسميها تناقضاً وآخرون يرونها من خصائص هذا الشعب الذي ينتج أكثر من 1200 صنف مختلف من الخبز.

الألمان غيّروا عاصمتهم ست مرات (آخن، ريغنسبورغ، فرانكفورت، نورمبرغ، فايمار، برلين) ولم يستطع حزب واحد الحصول على أصوات غالبية الشعب لتشكيل حكومة موحدة منذ الستينيات وبقي الحال السياسي معتمداً على الائتلافات. وتتكون ألمانيا من ست عشرة ولاية ولكل ولاية دستورها الخاص بها، ومع أن ألمانيا بلد ديمقراطي غربي فقد استطاعت المستشارة أنغيلا ميركل الاحتفاظ بموقعها رئيسة للحكومة منذ العام 2005 وجدّد البوندستاغ (البرلمان الألماني) انتخابها لولاية رابعة في مارس 2018، وعلى الرغم من علمانية الدولة الألمانية إلا أن الصوت المسيحي حاضر في السياسة ويكفي أن نعلم أن الحزب المسيحي الديمقراطي الذي تتزعمه ميركل هو قائد الائتلاف الحكومي منذ سنوات، ومن التناقضات السياسية دخول حزب البديل اليميني المتطرف إلى البوندستاغ للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية.

زرت ألمانيا عدة مرات بصفة شخصية وفي مهام رسمية وفي كل مرة تتأكد لي بعض الانطباعات حول الشخصية الألمانية خاصة في القضايا الفكرية والسياسية التي عادة ما تكون محاولاتك للحوار أشبه بمحاولة فتح صندوق لا تعرف أين واجهته. وقد استقبلت ألمانيا من المهاجرين أكبر عدد في أوروبا والعالم ولكن العنوان الإنساني على تقدير العالم له يخفي حقيقة أخرى وهي أن ألمانيا تواجه تناقصاً حاداً في عدد المواليد مع انخفاض الزواج وارتفاع سن نسبة كبيرة من السكان.

اقتصاد قوي وسياسة مترددة وشعب يتلاشى واتحاد أوروبي ينتظر من البقرة الألمانية حليب الصباح لدول مثل اليونان والبرتغال وإسبانيا وغيرها، اليوم وفي ظل عالم متغير نرى هل سيحاول السياسيون الألمان تغذية طموح الزعامة واستنهاض الأحلام القديمة التي يداعبها (الروس) أم سيبقون في مجالهم يناورون طاعة لأوامر (الكاوبوي) الذي فرض عليهم حدودهم وحياتهم وطموحهم منذ نهاية الحرب الغربية الثانية.

مشكلة ألمانيا اليوم أنها تدير حياتها السياسية ضمن ائتلاف خرج بعملية قيصرية وتتصارع نخب المجتمع الألماني بين رؤى وطنية متشددة وأفكار اشتراكية لم تنتهِ كليّا وليبرالية جديدة لم تتضح ملامحها، هذه المعادلة معقدة الأطراف وقد تلقي بظلالها على كل التراب الألماني بعد غياب (ميركل) التي أجادت إدارة التناقضات والطموحات في مناوراتها السياسية والاقتصادية.

وبخصوص العلاقات السعودية الألمانية فلا بد سيفشل «لوبي» المصالح الإيرانية واللوبي التركي ومن سار في ركابهما في تشويش العلاقات خاصة أن المصالح العليا للبلدين أكبر من تكتيكات «لوبيات» المصالح التي سيكشفها الشعب الألماني قريباً.

قال ومضى:

الناس ليسوا خصومك.. فالحذر ممن يصورهم كذلك.